صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
310
تفسير القرآن الكريم
جوهره بتحصيل اليقين والوصول إلى ثواب اللّه والتقرب اليه ، فيبعثه ذلك على قمع الشهوات الظاهرة عن النفس - أولا - ثم على قلع الصفات الذميمة الباطنة عن القلب - ثانيا - ثم يختار العزلة والخلوة عمّا يشوّش ذكره ويوسوس طبعه فيجلس للمراقبة والذكر والفكر ، ثم يؤدى به ذلك إلى أن يجعل همومه ومقاصده وأغراضه واحدا - هو التشوق إلى طلب الحق - . وإذا غلب ذلك على قلبه فهو بعد ناقص محروم ما لم يكن من المتفكرين وأهل العلم ، فإن كان له مجال في التفكر وحركة معنوية في الباطن شغله ذلك عند التجرد عن محاربة الشيطان ووساوس الوهم بإبداء الشبهات والشكوك في قلبه حتى يضلّه ذلك عن الطريق ، وإن لم يكن له سير في الباطن وحركة معنوية في الملكوت فلا ينجيه الأوراد المتواصلة والصلوات المتعاقبة ، بل يحتاج معها إلى تكليف الحضور لقلبه بالأفكار المعنوية ، فإن التفكر في الباطن هو الذي يستغرق القلب ويسخّر النفس دون الأوراد الظاهرة . وربما لم يسلم مع ذلك من الآفات الشاغلة له في بعض الأوقات من الفكر والذكر ضرورية كانت أو غير ضرورية ، كمرض وخوف ، أو إيذاء من مخاصم ، أو طغيان من مخالط لضرورة المعيشة أو اشتغال بمطعم أو ملبس مما يحوجه إلى شغل تولاه بنفسه ، فإن تيسر له قطع هذه العلائق ليسلم له أكثر الأوقات ، فيصفو قلبه ، وينشر فكره في عالم الملكوت ، وينكشف له من أسرار اللّه ما لا يقدر على شيء قليل منه جملة الأذكياء المشتغلين بقلوبهم بالدنيا وعلائقها . وهذا أقصى المقامات التي لاختيار العبد مدخلية في أن تنالها بالاكتساب والجهد ، فأما مقادير ما ينكشف له من فضل اللّه ، ومبالغ ما يرد عليه من رحمته فهو خارج عن اختياره واقتداره فإنه يجري مجرى الصيد وهو بحسب الرزق والطالع الأسمائي ، الذي طالع طالعه السمائي ، فقد يقلّ الجهد ويحلّ الصيد ، وقد يطول الجهد ويقصر الحظ ، فالمعول بعد ذلك على جذبة من جذبات الحق التي توازي